أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
266
التوحيد
والثاني أن الديانات هن اعتقادات لا أفعال تكتسب ، إذ الاعتقادات لا يجري عليها القهر والغلبة ، ولا لأحد من الخلائق على اعتقاد آخر ومنعه سلطان ، وهنّ أفعال القلوب خاصة ، وربما كان للألسن بها تعلّق من حيث لا يقدر على استعمال لسان غيره وكذلك قلبه ، ويقدر على سائر الجوارح . وإذا كانت الديانات ما ذكرنا ، والكفر والإيمان دين ، لم يصر الذي ذكرت لو كان طاعة دينا والكفر دين ، فكيف وهو من الوجه الذي ذكرت ليس بطاعة . وقد روي عن أبي حنيفة رحمه اللّه أنه أجاب لهذا السؤال أن الذي ذكرته حق القصد لا حق الوقوع على حال لا يقصد ذلك ، وعلى ذلك أمور علقت بالقصد ، وذلك يخرج على ما بيّنا من ترتيب الاعتقادات ، ولا قوة إلّا باللّه . وأيضا إن كل مؤمن فيما يعصي اللّه في شيء يكون كالمدفوع إليه بما يغلب عليه من شهوة أو غضب أو حمية أو نحو ذلك ، وبما به يصير إليه ، إذا لم يقصد عصيان الرب أو طاعة الشيطان ، يصير من الوجه الذي ذكرت كالمدفوع ، لم يلزمه الكفر به ، وللّه أن يجزيه عليه بما ملّكه ما به يمتنع عن الدفع إليه ، ولا قوة إلّا باللّه . وأمكن أن يقال : ذلك فضل اللّه إلى عباده إذ لم يلزمهم بمثل ذلك طاعة الشيطان وعبادته ، أو علم شدة ذلك عليهم على ما أكرمهم اللّه حال العصيان بمعاداة الشيطان وأنه لا أحد أبغض إليهم منه ولا شيء أثقل على طباعهم وعقولهم مما فيه سروره ولذته فضلا عن طاعته وعبادته ، فتجاوز اللّه عنهم عن ذلك لوجهين : أحدهما في العاجل بمنع اسم الطاعة والعبادة له ، والثاني بأطماع المغفرة والتجاوز بما آثر عداوة الشيطان في وقت عصيانه رحمة رب العالمين المعروف بالكرم والجود الذي لم يزل يعوّدهم بإحسانه إليهم وأفضاله عليهم ، له الحمد على ذلك أوفره . وبعد ، فإن العبد إذا اعتقد طاعة الرب ، وعرف العبودية ، وأشعر قلبه عظيم نعمه عليه وآلائه لديه ، ثم أراه عظيم سلطانه وقدرته بما ذكره حكمته في خلقه ونفاذ مشيئته فيه كفّ نفسه عن أن يميل إلى طاعة من لا يكون طاعته طاعته ، وصانها عن توهّم عبادة دونه ، لم يجز صرف فعله الواقع منه بعد أن اطمأن قلبه على هذا ، وصير ذا آثر عنده من الدنيا والآخرة لشهوة غلبته أو لرحمة يأملها أو لأمر دفعه إليها طاعة لغيره أو عبادة منه أحدا دونه . وما ذكرته هو لازم قلبه وقت فعله ، وإنما يكون مثله من الكافر الذي اعتقد طاعة من دونه وعبادة من لا يستحقها أن يصرف ذلك إلى من به صار إلى ذلك من الشيطان أو النفس ، ولا قوة إلّا باللّه . قال الفقيه أبو منصور رحمه اللّه : ثم الأصل في كل شيء أوعد عليه أن حقيقة ذلك تقع من صاحبه على وجوه من القبح مما يعلم كل تفاوت ذلك في العقول ، وكذلك كل اسم جاء به تسمية الفاعل أن ذلك يقتضي مختلفا من معان لا يعقل لا